تقديــم ... بقلم/ الشيخ بندر بن عبدالله الشويقي.
الحمد لله ، وبعدُ .. فإن من أعظم نعم الله على عباده أن حبَّب إليهم الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ليكونوا من الراشدين. فالنفرة من الفسوق والفجور، والوَحشة من فاحش الأقوال والأفعال منَّةٌ كبرى تفضَّل الله بها على أهل الإيمان وامتنَّ بها عليهم. غير أن من الناس من يكفأ إناءه بيديه، ويأبى إلا أن يُمرضَ قلبه بتتبع بذيء الكلام، وفاحش القصص والأخبار. ثم لا يقفُ عند هذا، بل يتمادى في السوء، فيجعل من نفسه رسولاً للشيطان ، يبلِّغ كلَّ من لقيه أصول الخنا والفجور.
وقد رأيتُ أخي الشيخ/عبدالله بن صالح العُجيري – سدَّد الله قلمه - اجتهد ههنا فأحسن، ونصحَ في كتابته فأعذر، حين جمع في موجزه هذا طرفاً من أحوال بعض حُرَّاس الرَّذيلة في بلادنا، ممن حملوا على عاتقهم إشاعة قصص الخلاعة والعهر التي جادت بها قرائحهم المقرحة. وكنت قبلُ قد وقفتُ على طرفٍ من بذاءاتهم ومراهقاتهم التي يسمونها (أعمالاً أدبية)!، فرأيتُ فيها ما يُمرضُ القلب ويُوهن الإيمان. غير أني بعد قراءة ما جمعه أخونا ومراجعة بعضه في مصادره ، وجدتُ السُّوء فيها جاوز كلَّ وصفٍ ، حيث تمادى أولئك المفتونون في غيِّهم، بعدما رأوا في أخبار المجون تجارةً رائجةً، تصنع من النكرة علماً في رأسه عارٌ.
أولئك المفتونون بقصص الخلاعة، المغرمون بأخبار الوضاعة، يزعمون أنهم يصوِّرون المجتمع كما هو، دون زخرفةٍ وتزويق. غير أن خطوطهم تشهد أنهم إنما صوَّروا سوءاً وبلاءً عشعش في صدورهم، وبعدما باض وفرَّخَ ، وجدت أفراخُه طريقها إلى ألسنتهم وأقلامهم.
قلوبٌ مريضةٌ، ونفوسٌ مفتونةٌ، وعقولٌ خاويةٌ ، تزعم أنها تقدِّم لنا دواءً لأدوائنا الاجتماعية عبرَ رواياتٍ حمراء تطفح بكلِّ معاني الانحطاط.
لو أن قارئاً لا يعرف شيئاً عن مجتمعنا وقرأ تلكم الروايات، لاستيقنَ أنَّا بلغنا في عالم الضياع مبلغاً لم يسبقنا إليه سابقٌ. فـ(بنات الرياض) بناتُ هوى، ونساء جدة (على خط الاستواء)، والـ(سعوديات) عاشقاتٌ للمراقص والكؤوس، غارقاتٌ في (جاهليةٍ) وعفنٍ، لا همَّ لهنَّ إلا (اختلاس) اللذة المحرَّمة. و(شبابُ الرياض) فجرةٌ زناةٌ شاذُّون، يعشقونَ الـ(عَرَق البلدي). والمجاهدون منهم - في رأي فتى (العدامة)، مراهقِ (الشميسي)، خرِّيجِ (الكراديب)- إنما يطلبون (ريح الجنة) ورضا الله بمعاقرة الخمور. وفي الجملة فإن (ملامح) البلاد كلها تدور في فلك الفواحش والعهر والـ (فسوق). ومن سلم من ذلك كله فهو الـ (إرهابي 20) الذي ينوي تدمير الكون ليقف وحده فوقَ أطلاله.
والذي أعجب له أن الواحد من هؤلاء وأشباههم يصوِّر مجتمعه في أقبح صورة وأرذلها، فإذا سألته قال : يجب ألا ندَّعي نقاءً وطهراً لا وجود له.
ثم إذا جاء الحديث عن بعض الضوابط والأنظمة التي يقصد منها الحدُّ من الشر والفساد، رأيته يهبُّ معارضاً متسائلاً : لماذا تجعلون الناس محلَّ تهمة؟
فالمجتمع يكون قذراً حين يكتبون عنه رواياتهم، لكنه يتحوَّل إلى نقيٍّ طاهرٍ حين يريدون معارضة ما يحفظ الأعراض ويحرس الفضائل.
بعض هؤلاء يتحدَّث عن ظلم المجتمع للفتاة، إذا رأى الناسَ يستعظمون خطيئتها ويعدُّونها فضيحةً لا تداوى ولا تدارى. وفي الوقت نفسه يغضُّون عن الشاب مهما اقترفَ من آثامٍ وخطايا.
حين تقرأ مثل هذا الكلام تحسب ـ لأول وهلةٍ ـ أن قائله يريد أن يكون حرصنا على الشاب بمنزلة حرصنا على الفتاة. لكن حين تتمادى في القراءة وتطوي الصفحات تفاجأ بأن المطلوب إفلات الفتاة كي تفسد كما فسد الشاب، كي تتحقَّق العدالة والمساواة بينهما!
يتحدَّث بعضهم أو (بعضهنَّ) باندفاعٍ كي يثبتَ أن مجتمعنا مجتمعٌ (ذكوري) يعلو فيه صوت الرجل فوق صوت المرأة ... تسمع مثل هذا الكلام، وتبحث حولك عن مجتمعٍ (أنثوي) في جميع أصقاع الأرض. اليومَ وفيما مضى من أيامٍ، عبر التاريخ وقبل التاريخ، فلا ترى إلا مجتمعاتٍ (ذكوريةً) يسوسها رجالٌ تعلو أصواتهم - وربما أسواطهم - فوق أصوات النساء وجلودهنَّ. فلأيِّ شيءٍ - إذن - يخصُّ مجتمعنا باللعنات والشتائم، وتكال المدائح لغيره؟!
إن كان المقصود بذكورية المجتمع قِوامةُ الرجل، فذاك مما نفاخر به ولا نعتذر عنه. وإن كان المقصود تسلطه وظلمه للمرأة ، فتلك ظاهرةٌ عالميةٌ ، بل بشريةٌ أملتها طبيعة الجنسين. لكن لسنا أكبر الناس نصيباً منها.
الحديث عن قُصَّاص الشهوة حديثٌ ذو شجونٍ، وفيما جمعه أخونا هنا ما ينذرُ ذوي الألباب بسوء العاقبة إن تركَ حبلُ هؤلاء على غاربه. فمع قبحِ وقذارة نتاجهم ونفور النفوس السوية منه، إلا أنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً. ولن يعدمَ هؤلاء مفتوناً يزيدونه فتنةً وضلالاً.
وأسُّ البلاء لدى هؤلاء، ورأس شرورهم أن جمهور قرائهم فتيانٌ وفتياتٌ في سنِّ المراهقة وفورة الشباب، ممن هم في حاجةٍ لمن يسكِّن أفئدتهم، ويملأ عقولهم وقلوبهم بما يُشغل عن فوضى الغرائز. غير أن قصَّاص السوء يمارسون عليهم دور قاطع الطريق، حين يقدِّمون لهم ما يُشعل غرائزهم، ويهيج كوامنهم ، ويلهبُ رغباتهم.
ويستحكم البلاء حين تمرُّ بذاك الشاب أو تلك الفتاة معاناةٌ عارضةٌ مع أهله وذويه، مما لا يكاد يسلم منه أحدٌ في ذلك السنِّ المبكِّر، ثم يقرأ في تلك الأقاصيص اللعنات وهي تصبُّ على مجتمعه (الظالم ، الجائر، المتخلِّف ، المعقَّد ، المريض ، المتناقض ...إلخ) فيجد في تلك اللعنات سلواه، ويتلمس فيها ما يوافق هواه، فيتمادى معها دون إدراكٍ لمراميها، أو فهمٍ لمغازيها، حين تحثه (تحثها) على التمرُّد على القيم والفضائل، ورفض الخضوع للوصاية الأسرية، فتودي به تلك الوساوس إلى الهلكة والضياع، وتتحوَّلُ معاناته العارضة، إلى جنوحٍ نحو الرذائل والفواحش.
والمسؤولية الأولى في ذلك كلِّه يتحمَّلها العابثون من مجرمي قصص الرذائل، وروايات العهر. أسأل الله - بفضله - أن يردَّ عن أهل الإسلام شرورهم، وأن يحفظ على أهل الإيمان أهليهم وذراريهم، ويمنَّ عليهم جميعاً بالسَّتر والعفاف، وأن يحبِّبَ إليهم الإيمان ويزيِّنه في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فضلاً منه ونعمةً ، إنه عليمٌ حكيمٌ.
لتحميل المادة أضغط هنا